ملا محمد مهدي النراقي
454
انيس المجتهدين في علم الأصول
الظاهر من كلام جماعة « 1 » - فوجه حجّيّته قد ظهر ، وإن كان أعمّ منه من وجه ؛ نظرا إلى أنّه ما كان اقتضاء الجامع فيه للحكم في الفرع أقوى منه في الأصل . وهذا قد يعلم فيه نفي الفارق إذا كان الاقتضاء المذكور في الأصل قطعيّا ، وقد لا يعلم فيه ذلك إذا كان ظنّيّا ، وحينئذ يمكن أن يكون في الفرع أيضا ظنّيّا ، وإن كان الظنّ الحاصل منه أقوى من الظنّ الحاصل من الاقتضاء المذكور في الأصل ؛ فإنّ مجرّد ذلك لا يخرجه إلى القطع . وما يعلم فيه نفي الفارق أيضا قد يكون اقتضاء الجامع فيه للحكم في الفرع أقوى منه في الأصل ، وقد لا يكون . فالمتّفق على حجّيّته هو المادّة التي يكون اقتضاء الجامع فيها للحكم قطعيّا ، وإن أمكن أن يقال بحجّيّة المادّة الظنّية أيضا ؛ نظرا إلى أنّ اقتضاء الجامع للحكم في الأصل وإن كان ظنّيّا ، إلّا أنّ الظنّ لمّا كان بحيث صار سببا لاستناد الحكم إلى الجامع ، وحصل ظنّ أقوى منه باقتضائه للحكم في الفرع ، فيعلم ثبوت الحكم فيه . إلّا أنّ ما فهمت من قواعد الإماميّة - كما يأتي « 2 » - أنّ كلّ ما يصدق عليه القياس ليس حجّة إلّا ما يقطع فيه بثبوت الحكم في الفرع « 3 » ، كالقطعي والجليّ وأمثالهما ، فإنّ ذلك لقطعيّته يستثنى من مطلق القياس الذي ثبت عندهم بالتواتر عن أئمّتهم عليهم السّلام منع العمل به « 4 » ، واستثناء الظنّي لا يكاد يصحّ من العمومات القطعيّة ، إلّا أن يثبت بظنّ كان حجّة شرعا . ثمّ القياس بالطريق الأولى إذا علم في أصله تعليل الحكم بالوصف وكان أقوى في الفرع ، فلا خلاف في صحّة تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع ، وإنّما وقع الخلاف في كونه قياسا . والحقّ أنّه هو ؛ لصدق القياس عليه لغة واصطلاحا ؛ ولأنّه لو قطع النظر عن المعنى المناسب المشترك المقصود من الحكم كالإكرام في منع التأفيف ، وعن كونه أقوى في الفرع لما حكم به ، ولا معنى للقياس إلّا ذلك .
--> ( 1 ) . منهم : الفخر الرازي في المحصول 5 : 124 ، والمحقّق الحلّي في معارج الأصول : 185 ، والفاضل التوني في الوافية : 238 . ( 2 ) . يأتي في ص 461 . ( 3 ) . راجع : معارج الأصول : 185 ، ومبادئ الوصول : 218 ، ومعالم الدين : 229 ، والوافية : 237 . ( 4 ) . راجع وسائل الشيعة 27 : 44 - 62 ، أبواب صفات القاضي ، الباب 6 ، ح 20 - 52 .